لا يجب أن يصبح الذكاء الاصطناعي قوة مزعزعة للاستقرار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالخدمات الحكومية. يعيش نحو طفل واحد من كل ستة في نيوجيرسي في أسر تكافح لتوفير ما يكفي من الغذاء. ومنذ عام 2024، قدمت الحكومة الفيدرالية للأسر 120 دولاراً عن كل طفل مؤهل لشراء الغذاء خلال الصيف. ويمكن للأطفال التأهل عبر برامج متعددة، لكن اختلاف الجهات المديرة يجعل من السهل أن يفوت النظام بعض المستحقين. لذلك، أنشأ مكتب الابتكار في نيوجيرسي أداة للذكاء الاصطناعي لمطابقة السجلات والعثور على الأطفال المؤهلين الذين لم تصل إليهم المساعدة.

وامتدت الإعانات إلى 106 آلاف طفل إضافي في الأول، و96 ألفاً في التالي، دون أن تضطر أي أسرة إلى ملء نموذج، إذ استخدمت الولاية المعلومات التي كانت لديها بالفعل. عندما تفشل الحكومة مراراً في الاستماع إلى الناس وحل مشكلاتهم وإنجاز المهام الأساسية، فإنها تضعف الثقة في الديمقراطية نفسها. ويمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي لإصلاح المؤسسات المتعثرة واستعادة الثقة بها، لمواجهة تحديات اليوم بصورة أفضل. ولا شك في ضرورة التصدي لمخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي ونشره بتهور لتجنب كوارث، لكن وضع ضوابط للأنظمة المستقلة يجب ألا يمنع استخدامه لتعزيز المؤسسات المدنية التي تحافظ على القوة الديمقراطية.

ولا تقتصر الأدلة على قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين الخدمات الحكومية على نيوجيرسي. فبعد حرائق الغابات في لوس أنجلوس عام 2025، طلبت كاليفورنيا من الناجين تحديد شكل التعافي، واستخدمت الذكاء الاصطناعي لتحليل أكثر من 1500 رد وتحديد المخاوف والأولويات الأكثر إلحاحاً. وأدى ذلك إلى خطط لدفن خطوط الكهرباء المعرضة للخطر وتعزيز اتصالات الطوارئ، كما وقّع الحاكم غافين نيوسوم قانوناً يجعل هذا الجهد دائماً.

وفي العام الماضي، قدرت الحكومة البريطانية أن أداة الذكاء الاصطناعي «كونسلت» مكنتها من فرز أكثر من 50 ألف تعليق عام في نحو ساعتين، بدلاً من أسابيع. وتوضح الأمثلة قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليل عقبات التعامل مع الخدمات الحكومية. والآن يجب أن نضع الذكاء الاصطناعي في خدمة كل موظف حكومي، عبر ثلاثة استثمارات رئيسية. بداية، ينبغي للحكومات تدريب جميع موظفيها على استخدام الذكاء الاصطناعي للاستماع والتعلم وتقديم خدمات أفضل. ففي العام الماضي، دربت بنسلفانيا 175 موظفاً على استخدام «تشات جي بي تي»، ووجدت أن ذلك وفر لكل منهم في المتوسط 95 دقيقة يومياً في إعداد الوثائق والبحث فيها وتلخيصها.

كما يساعد التدريب على تجنب المخاطر، فقد استخدم موظف لحماية الأطفال في فيكتوريا الأسترالية «تشات جي بي تي» لإعداد تقرير عن قضية إساءة معاملة، ولم يكتشف أن روبوت المحادثة أخطأ في قراءة مؤشرات الخطر الشديد. كما ينبغي أن يحصل الموظفون الحكوميون على وصول آمن إلى نماذج متعددة معاً، مما يقلل الاعتماد على شركة واحدة ويتيح مقارنة الأدوات. كذلك تستطيع الحكومات استغلال قوتها الشرائية الهائلة للمطالبة بالمزيد من شركات الذكاء الاصطناعي والتعاون معها لتطوير التقنيات.

ففي كوريا الجنوبية، تبرم الحكومة عقوداً مع شركات تكنولوجيا واتصالات لإتاحة الذكاء الاصطناعي لمواطنيها البالغ عددهم 51 مليوناً، مع إبقاء النسخة الأساسية، التي تتيح ثلاثة روبوتات محادثة، مجانية وغير محدودة، وتشغيلها في الغالب على نماذج طُورت في كوريا. وفي إسبانيا، استُخدمت الأموال العامة لتطوير مجموعة من نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. وينبغي للولايات والمدن الأميركية شراء الوصول إلى النماذج بصورة مشتركة وبناء نماذج مفتوحة توفر للحكومات والمجتمعات والجامعات أنظمة ذكاء اصطناعي تتسم بالشفافية والخضوع للمساءلة والجودة العالية. وحتى عند استئجار الحكومات لنماذج تجارية للذكاء الاصطناعي، يظل بإمكانها امتلاك الأدوات التي يطورها الموظفون الحكوميون باستخدام تلك النماذج.

ففي مدرسة أديلايد بوتانيك الثانوية بجنوب أستراليا، بنت معلمة أداة باستخدام نموذج اللغة المدرسي تقيس إتقان الطلاب للإنجليزية في 52 ثانية، مقابل نحو 30 دقيقة بالطريقة التقليدية، ويجري تعميمها على مستوى الولاية للمعلمين المدربين. وتدير جنوب أستراليا صندوقاً بـ20 مليون دولار لدعم التجارب. كما بدأت الولايات والمدن الأميركية في مشاركة الحلول الناجحة. ويطور طلابي في جامعة نورث إيسترن، ضمن برنامج زمالة «الذكاء الاصطناعي من أجل التأثير»، أدوات للجهات الحكومية ستة أشهر. وقد أنشأ بعضهم مع مكتب الأموال الفيدرالية والبنية التحتية في ماساتشوستس أداة مجانية تترجم إشعارات التمويل الفيدرالي المعقدة وتوجه الموظفين لإعداد الطلبات، ما يساعد البلدات التي تفتقر إلى متخصصي المنح على المنافسة لتمويل استبدال أنابيب الرصاص أو إصلاح الطرق.

ويعمل البرنامج الآن مع كاليفورنيا وكولورادو ورود آيلاند لتطوير نسخ خاصة بها.وبينما ننشغل للغاية بمناقشة مخاطر الذكاء الاصطناعي، نغفل التساؤل عن كيفية استخدامه لتقديم الخدمات العامة، وإدارة الانتخابات، وسن القوانين، والاستماع بشكل أفضل إلى الجمهور. إن الأدلة على ذلك ماثلة أمامنا في كل مكان، وما نحتاج إليه الآن هو الالتزام بتوظيف هذه الأدوات بطرق تُحدث فرقاً حقيقياً في حياة الناس وفي ديمقراطيتنا.

*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

أستاذة في جامعة نورث إيسترن ومؤلفة كتاب «إعادة التشغيل: الذكاء الاصطناعي وسباق إنقاذ الديمقراطية»